الرحلة رقم 949 – ج2

في انتظار ليس بطويل و لكنه جاء بالكثير، فبعد عودتي من الأردن بتاريخ 10 كانون الثاني 2012 و مشاهدتي لما يمكن أن أسميه “خط النار” من المدن السورية زاد إحباطي و أكثر فأكثر بعد تكرر الهجمات على الطلاب في الكليات و تكسير و تدمير أثاثات و بنى تحتيه للجامعة و الأهم “تدمير البنى العقلية و العلمية” فحقاً لم يعد يمكن أن أبقى هنا فهنا يبكي على بعضنا بعض.

تطور آخر هو عقد قراني “كتب الكتاب” في 2/2  حمل أيضاً مسؤوليات جديدة أضيفت إلى كاهلي.

في تاريخ 10/2 قدمت طلب استقالتي بشكل رسمي لرئيس الجامعة بعد ترشيحي إلى الهند كمنحة للحصول على الدكتورا و بعد جدل مع أطراف مختلفة كوني لدي قرار موقع و معترف به “أصولاً” بإيفادي إلى ألمانيا فكان الجواب من نائب رئيس الجامعة لشؤون البحث العلمي ” شقه و كبه” و يضاف إلى ذلك حادثة هامشية و هي الإصرار على إدراج اسمي في الأعمال غير العلمية رغم علمهم بأني لا أتقاضى أجراً على ذلك (تدقيق و ترتيب أوراق الامتحانات و العمل في مفاضلة طلاب البكالوريا)، لم تكن هنا المشكلة الرئيسية و لكن المشكلة هي قيام موظفة من شعبة الامتحانات باستخدام ألفاظ نابية مع مجموعة من المهندسين و كنت منهم، ثم و بسبب انسحابي من العمل صامتاً ترفع هذه الموظفة لعميد الكلية بأني استخدمت رداً غير مؤدب معها و أني تركت العمل بشكل يسبب  ضياع الأوراق الامتحانية !!!

في 4/3 و بعد إلقاء 3 محاضرات متتالية لطلاب الخامس حاسبات في مادة أنظمة الزمن الحقيقي حصلت على رسالة تخبرني بأن الفيزا أصبحت جاهزة. كان هذا الخبر بمثابة أعلان بدأ حياة جديدة لي، فالحلم أصبح في مرمى نظري و لم أكن أخطأ النظر حينها.

في 14/ 3 الحلم بات بين يدي و الفيزا لصقت على جواز السفر، استعداداتي بدأت فاشتريت حقائب للسفر و أمتعة و بدأت بتوديع أغراضي و أخذ كل يلزم و ترك مالا يلزم و الوصية بحفظ بعضها للضرورة و بعضها للذكرى. لا أدري لماذا تصرفت و كأني لن أعود أو على الأقل كأن عودتي لن تكون قريبة. و ذهبت لأحجز بالطائرة فكانت الرحلة 949 المتجهة نحو اسطنبول و منها إلى هانوفر في ألمانيا على الرحلة 1553في ساعات الفجر الأولى ليوم الاثنين 26/3. المشكلة الآن أنه و بعد أكثر من شهر على تقديم طلب الإستقالة لم تصدر الموافقة بل لم يحصل هذا الطلب على أي توقيع رسمي إذ تم حجزه عند أحد كبار موظفي الجامعة و الذي و قال لي أنه سيوصي بغرامة مالية قدرها مليون ليرة إن أصريت على الإستقالة، لكنه ما لبث أن تراجع عن كلامه بعد جدلي معه بأن تصرفه غير قانوني (ولكن ربما طلبها لنفسه!) ثم و بعد أن ألقى علي محاضرة بالوطنية و القومية و الآخلاق و حب الأوطان قررت أنني سأسافر حتى لو لم أحصل على مواقفة رسمية كاملة على استقالتي.

ذاك اليوم أي الأحد 25/3 استيقظت مودعاً كل شيء و لا أدري لما اجتاحتني كل هذه المشاعر و لكن بقيت كما عهدوني أهلي صلباً لم يرف لي جفن إلا متخفياً عن عيونهم جميعاً، ذرفت دموعاً عند مغادرة بيت خطيبتي دون أن تراها هي و ذرفت دموعاً عند معانقة أمي و دون أن تراها أيضاً.

الساعة الـ 12 و نصف في مطار حلب يوجد شيء غير طبيعي ولكن لم أبالي، فالتفتيش شديد و عدد المسلحين كبير حتى داخل قاعة الانتظار، و عندما حانت ساعة الوداع لأودع أخوتي الذين جاؤوا معي و لاسيما توأمي و آخر اتصال من هاتفي مع خطيبتي دخلت إلى قاعة التفتيش و منها متجهاً لوزن الحقائب و الحصول على بطاقة الطائرة “Boarding pass” و هنا كان تفسير ما يحصل في المطار، طلبت مني الموظفة أن أراجع الجوازات فبل وزن الحقائب و باستغراب فعلت ما طلبت و كان الجواب من ضابط الجوازات:

“أنت عمرك 24 مو هيك ”

“أي نعم 24”

“شو طالع تسوي بتركيا”

” طالع ترانزيت، أنا مسافر على ألمانيا لكمل دراستي”

“على حساب الدولة؟”

” لا على حسابي الخاص”

“أنت ممنوع من السفر”

“خيـــر، هي تأجيلي العسكرية”

“أي بعرف أنك مأجل عسكريتك، بس اليوم طلع قرار من 3 ساعات بمنع أي شاب سوري من مغادرة البلاد إذا كان عمره بين 16 – 42 حتى لو كان معه إعفاء أو حتى كمان لو كان وحيد و أمه متوفية”

و سحب جواز السفر من يدي و كتب على دفتر معه معلومات جواز السفر و كذلك فعل مع الجميع.

تخيلوا شعوري بتلك اللحظة بعد كل ما حصل خلال سنة و نصف من تخرجي و الذي كتبته هنا! بالفعل لا أستطيع وصف الشعور فحتى شريحة الموبايل تركتها مع أخي قبل الدخول للتفتيش و بالتالي لم أستطع حتى أن اتصل بأخوتي لأخبرهم بما حصل كي ينتظروني لأعود معهم. خرجت مسرعاً و تركت الحقائب فقط لأخبر أخوتي أن ينتظروني فصرخ أحدهم بوجهم وكان يحمل سلاحاً “وين مفكر حالك طالع” فعدت بعد أن أيقنت أنهم أصبحوا على علم بما حصل.

حملت الحقائب و عدت لأخوتي، لا أحد منهم نطق بحرف و كذلك أنا و شعرت أن صدمتهم لا تقل عما شعرت به. رجعت إلى المنزل  و لم نكن قد أخبرنا أحد من أهلي أنني عدت مع أخوتي. اللحظات كانت أشبه بمن هو في حلم و لا يستطيع تصديق ما يحصل، اتصلت  بخطيبتي و أخبرتها بما حصل ثم ذهبت للنوم.

في الصباح الباكر ذهب أبي لشعبة التجنيد لكي يحاول الحصول على ما اسموه بالموافقة الأمنية للسفر و التي يجب أن تخرج أولاً من شعبة التجنيد و منها إلى الهجرة و الجوزات و بعد جولة مجهولة الجهة قد تعود الورقة مع الموافقة أو عدم الموافقة. لم توافق شعبة التجنيد على إعطائي الورقة دون بيان السبب. فقضيت يوماً عصيباً مهموماً أحاول أن أدرك ما يحصل و أن أتكيف مع وضع أجهل ما سيحمله لي، أفكر في سحب استقالتي فهي ما تزال عند ذات الموظف الذي ألقى علي محاضرته و أوصاني فيها أن أسحب طلب الإستقالة نافياً يومها أن يكون الطلب عنده. أفكر فيما أنفقت حتى حصلت على الفيزا كيف ذهب هباءاً.

في مساء ذات اليوم و بعد أن ضجت سوريا بهذا الخبر و بعد أن اتصلت و اعتذرت للبروفيسور عن عدم قدومي و بينت له الأسباب، يصدر قرار في الساعة الحادية عشرة و نصف ليلاً يلغي القرار السابق.

في صباح الثلاثاء 27/3 ذهبت باكراً إلى مكتب الطيران أجدد الحجز الضائع و من ثم لشعبة التجنيد للتبين يقيناً بأني لن أجد مفاجآات مرة آخرى في المطار. كان الحجز في ذات اليوم أي عند ساعات الفجر الأولى ليوم الأبعاء 28/3 و كان علي أن أستعد سريعاً و لكن هذه المرة لم ينتابني أي شعور بحنين أو وداع, لم أشعر بأي شيء فقط كل ما يشغل بالي هو مغادرة البلاد لتأثري الشديد بما حصل في المرة السابقة.

وداع لخطيبتي ثم لأهلي، كان وداعاً سريعاً لاسيما من أبي و كأني ذاهب لدمشق ليومين و أعود بعدها. فالكل ترك فيه الموقف الذي حصل فجر الاثنين الأثر الكبير. اتجهت للمطار و هذه المرة فقط مع اثنين من أخوتي هما مصطفى و توأمي حمزة و بسيارة أجرة متواضعة و ليس بسيارة مريحة فخمة كما في المرة الماضية.

جو المطار مبشر فلا وجود أمني و الوضع طبيعي بل و التقيت أحد أصدقائي في الجامعة (يمان كيالي قسم اتصالات) أعلم أنه يدرس في ألمانيا كان مسافراً معي إلى اسطنبول و منها إلى فرانكفورت و التقيت شاباً آخر يعمل في أوكرانيا و هو مهندس حاسبات و كان أيضاً متجهاً نحو اسطنبول و منها إلى أوديسا في أوكرانيا.

عندما حانت لحظة الدخول للتفتيش اتصلت بخطيبتي مودعاً و ودعت أخواي و تركت الهاتف معي لعدم تكرار ما حصل المرة الماضية ثم مشت الأمور طبيعية من التفتيش إلى الوزن و الحصول على البطاقات و منها إلى الجوازات و منها إلى قاعة الإنتظار و منها إلى الطائرة. الآن مرة أخرى لا أكاد أصدق و لكن هذه المرة من شدة فرحي بتحقق حلمي الطفولي بالسفر إلى أوروبا.

اتصلت بأخوتي اللذان لازالا في المطار خشية أن يتكرر ما حصل المرة الماضية أخبرتهم أني في الطائرة و كانت آخر مكالمة من الهاتف السوري.

أقلعت الطائرة الضخمة و الفخمة بالموعد المحدد و كان من الصدف أن يكون الشاب هشام المسافر إلى أوكرانيا يجلس بجانبي، إلا أنني و بدون أي سيطرة على نفسي ذرفت دمعة واحدة لأول مرة عندما رأيت حلب من الجو مع علمي بأن الغياب عنها سيطول.

الرحلة 949 وصلت بموعدها، لأتجه منها إلى البوابة 222 في مطار استنبول الذي كان مدينة كاملة بما تعنيه الكلمة، حيث تشعر و كأن الكرة الأضية بكل قومياتها و أعراقها اجتمعت هنا. الرحلة 1553 تأخرت بمغادة المطار أكثر من ساعة ووصلت متأخرة كذلك الأمر إلى مطار هانوفر بعد رحلة طويلة و متعبة نوعاً ما.

مطار هانوفر الهادئ الصغير أجبرني لأول مرة على نطق الإنكليزية، ثم لأجد البروفيسور وائل عدي بانتظاري كأجمل مفاجأة لي ليصحبني معه إلى منزله لأشرب القهوة الألمانية و اتصل بأهلي أخبرهم بوصولي آمناً، ثم إلى بيت الدكتور ياسر دعبول لتناول الغداء ثم إلى غرفتي التي كان قد استلم مفاتيحها الدكتور ياسر دعبول قبل أكثر من أسبوع.

في الصباح الأربعاء 28/3/2012 و مع نزول الطائرة في مطار هانوفر الساعة العاشرة و نصف تقريباً بدأت حياة جديدة تحمل تحديات جديدة و صعوبات جديدة و لكن لا أدري إلى كم ستبقى ذكرى الرحلة 949 و ما حصل فجر الاثنين 26/3/2012 في بالي و الأهم إلى متى سيبقى تأثيرها الذي أقسم أني حملته حتى في مناماتي بعد أسبوع من وصولي إلى إلمانيا.

About زين العابدين

مهندس حواسيب - معهد IDA - جامعة Braunshweig التقنية.
هذا المنشور نشر في تدوينات عشوائية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على الرحلة رقم 949 – ج2

  1. يقول م. حمزة:

    بتعرف أنك تجاوزت نقاط حساسة واسرعت في وصف الرحلة الأولى والثانية يبدو أن السبب رغبة في الوصول إلى ألمانيا ما زارل يسكن عقلك الباطن الذي أسرع في الهروب من ذكريات الوطن للوصول إلى ألمانيا…ممكن كان تصف تفاصيل أكثر شوي وتعمل إثارة درامية للموقف..بتصير قصة قصيرة جميلة ..

  2. يقول adi:

    “بدأت حياة جديدة”
    هذا هو المهم , مع تمنياتي لك بالنجاح

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s